نصر حامد أبو زيد
13
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
ثقافي لا يمكن انكارهما . لقد كان هؤلاء العسكر - في أحسن أحوالهم - مسلمين طيبي النيات إن أحسنا الظن بهم أفرادا ، لكنهم كانوا يمثلون طبقة حاكمة عسكرية في النهاية . كانوا يكرسون كل ما تمثله الديكتاتورية العسكرية من تضخيم لأهمية القوة المادية ومن تهوين لشأن الوعي العقلي والثقافي . كانوا يمثلون الديكتاتورية العسكرية بكل ما يصاحبها من « انغلاق » فكري ، ورفض للحوار اعتمادا على مبدأ « الرضوخ » العسكري للأوامر وتنفيذها . إن حرص العسكريين على النظام والضبط والطاعة يتحول إلى مأساة إذا تم نقله إلى مجالات الثقافة والفكر . فإذا أضفنا إلى ذلك أن هؤلاء العسكريين كانوا أعاجم أدركنا الكيفية التي تحولت بها النصوص الدينية من موضوعات للفهم والتفسير والتأويل إلى أن تكون أشياء تستخدم للزينة أو لالتماس البركة . هكذا تحول القرآن من « نص » إلى « مصحف » ، من دلالة إلى شيء . لقد كان أبو الطيب المتنبي يشكو في القرن الرابع الهجري من عدم تقدير أو « عدم فهم » كافور الإخشيدي لشعره ، ويلعن الزمان الذي اضطره إلى أن ينشد الشعر في بلاط مثله ، فما بالنا وقد سيطر على مقدرات العالم الاسلامي أمثال كافور الإخشيدي وربما أسوأ ؟ لقد كان الهزال والضعف اللذان أصابا النصوص الشعرية نتيجة اختفاء الحاكم الذي يقدر الشعر ويتذوقه ويكافئ عليه ظاهرة أصابت الثقافة كلها بالهزال والنضوب ، وكان هذا الهزال له تأثيره على « النص » الديني بعزله عن حركة الواقع فيما أطلق عليه « اقفال باب الاجتهاد » . ومع هزال الثقافة الرسمية كانت الثقافة الشعبية تزدهر وتنمو فانتقلت بالنص من مجال التفسير والتأويل إلى مجال الفنون البصرية والتشكيلية والموسيقية ، فازدهرت الفنون حين توارى الأدب . هكذا ازدهرت فنون الغناء - وأهمها تنغيم القرآن - والخط والزخرفة والأرابيسك ، كما تطورت فنون العمارة والتصوير ، وكان فن التصوير أشد ازدهارا في فارس والهند . وإذا كان ذلك التحدي الحضاري الذي واجه أمتنا منذ سبعة قرون هو الذي حدد للعلماء طرائقهم في التأليف والتصنيف ، فجمعوا كل ما كان له علاقة بالنص من قريب أو من بعيد تحت عنوان : « علوم القرآن » ، فان التحدي الذي يواجهنا اليوم يفرض علينا سلوك طريق آخر . لم تعد قضيتنا اليوم حماية تراثنا من الضياع وثقافتنا من التشتت ، وإن كانت تلك قضية هامة في كل زمان بالنسبة لكل الأمم . لكن الذي نريد أن نقوله إنها ليست « القضية الأولى » في هذه المرحلة التي وصل فيها التهديد إلى « الوجود » ذاته . لقد أصبح التحالف بين العدو الخارجي متمثلا في الإمبريالية العالمية والصهيونية الإسرائيلية وبين القوى الرجعية المسيطرة في الداخل حقيقة بارزة لكل ذي عينين . وعلى ذلك أصبح موقفنا اليوم هو